سلسلة إضاءات: إعادة تصور مستقبل المساحات
لماذا أصبح من الضروري أكثر من أي وقت مضى أن ينظر القادة التنفيذيون إلى المستقبل من خلال العقارات المؤسسية؟
أدركت الشركات أن استراتيجيات العقارات المؤسسية (CRE) يمكن أن تسهم في معالجة أبرز التحديات التي تواجه أعمالها. إلا أن القادة الأكثر استشرافاً للمستقبل يذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك.
فهم يدرسون التحولات الكبرى التي يشهدها المجتمع لفهم تأثيرها على علاقتنا المستقبلية بأماكن العمل والمباني وحتى المدن التي نعيش فيها. ويمنحهم هذا المنظور القدرة على تطوير استراتيجياتهم العقارية بما يضمن استعداد أعمالهم للمرحلة المقبلة.
ويشهد مستقبل المساحات تحولات جوهرية، يأتي الذكاء الاصطناعي في مقدمتها كأحد أبرز العوامل التي تعيد تشكيل القطاع. وفي المحافل العالمية مثل المنتدى الاقتصادي العالمي، يناقش قادة JLL هذه التحديات الكبرى، إلا أن النجاح يبقى مرتبطاً بإتقان الأساسيات.
فإلى أي مدى توفر بيئة المبنى ومحيطه تجربة ملهمة؟ وهل يقع العقار في موقع يتيح الوصول إلى الكفاءات المطلوبة؟ في هذا التقرير نسلط الضوء على هذه التحولات والاعتبارات العملية، ونستعرض ما تعنيه بالنسبة للشركات ومستقبل الأعمال.
التحولات التي ستؤثر على علاقتنا المستقبلية بأماكن العمل والمباني والمدن
التحضر
تمثل المدن محركات رئيسية للنمو والتنافسية الاقتصادية. إلا أن التوسع الحضري السريع، والتغيرات الجذرية في أساليب العمل، والتطورات التنظيمية المتسارعة، تفرض في الوقت ذاته تحديات كبيرة على المدن.
ورغم استمرار الطلب المرتفع على العقارات، فإن طبيعة هذا الطلب تشهد تحولاً واضحاً. وتشير أحدث الدراسات إلى أن ما بين 322 و425 مليون متر مربع من المساحات المكتبية الحالية في 66 سوقاً عالمية ستحتاج إلى تحديثات جوهرية خلال السنوات الخمس المقبلة للحفاظ على قدرتها التنافسية.
ولا يعود ذلك إلى تراجع جاذبية المواقع المركزية، بل إلى عدم مواكبة العديد من الأصول العقارية فيها للمتطلبات الجديدة للسوق.
ويتركز الطلب المتنامي اليوم على الأصول العقارية فائقة الجودة (Super Prime)، والتي تجمع بين الابتكار والاستدامة البيئية وبيئات العمل والحياة والترفيه المتكاملة.
وتجد المدن نفسها اليوم عند نقطة تحول حاسمة؛ إذ يتطلب الحفاظ على تنافسيتها توفير مساحات جاهزة للمستقبل، لكن تحقيق ذلك بالسرعة والحجم المطلوبين وفي ظل حساسية متزايدة تجاه التكاليف يشكل تحدياً كبيراً.
تطور بيئة العمل
تشير نتائج تقرير اتجاهات العقارات المؤسسية لعام 2026 إلى أن الموظفين يقضون وقتاً أطول في المكاتب، حيث تطلب 52% من المؤسسات من موظفيها الحضور إلى مقرات العمل لمدة تتراوح بين ثلاثة وأربعة أيام أسبوعياً.
ومع ذلك، تظل المرونة جزءاً أساسياً من مستقبل العمل، إذ تُظهر البيانات أن التوازن بين العمل والحياة أصبح أكثر أهمية من الراتب عند الاحتفاظ بأفضل الكفاءات.
ويزيد هذا التحول من أهمية التجارب التي يجب أن توفرها المدن والمساحات العقارية.
فالموظفون يتوقعون بيئات عمل تتكيف مع احتياجاتهم، ومدناً تسهّل تنقلاتهم وتزيل العقبات من رحلتهم اليومية. ويتمثل التحدي أمام الشركات في تلبية هذه التوقعات بسرعة كافية للحفاظ على تنافسيتها في سوق المواهب، دون التسرع في إنشاء مبانٍ أو مساحات قد تصبح غير ملائمة مستقبلاً.
أما بالنسبة للمدن، فيكمن التحدي في تنسيق الجهود والاستثمارات لتحقيق أقصى قيمة ممكنة. ولذلك، فإن المدن الأكثر نجاحاً اليوم هي تلك التي تشارك بفاعلية في المبادرات العالمية مثل C40، وهي شبكة تضم نحو 100 عمدة مدينة يعملون معاً على قضايا تشمل البناء المستدام والطبيعة الحضرية والاقتصاد الدائري والحد من النفايات.
إعادة تأهيل المباني: فرصة متعددة الأبعاد
تمثل مشاريع إعادة تأهيل الأصول العقارية القائمة وإعادة توظيفها فرصة مهمة للملاك والمستأجرين والمستثمرين لتلبية الطلب المتزايد على المساحات الجاهزة للمستقبل.
وقد بدأت هذه الحركة بالفعل في اكتساب زخم متزايد. فبحسب مجلة The Economist، أشار 70% من التنفيذيين العاملين في مشاريع التطوير الحضري إلى تحول التركيز خلال السنوات الثلاث الماضية من بناء مشاريع جديدة إلى تحديث المباني القائمة.
ويتمثل التحدي الرئيسي في تنفيذ هذه المشاريع بأعلى مستويات الكفاءة الاقتصادية، وإقامة الشراكات اللازمة لتنفيذها على نطاق واسع. كما يشمل ذلك الاستفادة من المواد منخفضة الانبعاثات الكربونية، مثل الأسمنت منخفض الكربون والصلب المعاد تدويره والبدائل المستدامة الأخرى، التي أصبحت جزءاً أساسياً من استراتيجيات إعادة التأهيل الحديثة.
وتكشف أبحاث JLL الأخيرة عن تلاقي مجموعة من العوامل السوقية التي تجعل الاستثمار في الحلول منخفضة الكربون وعالية الكفاءة الطاقية أكثر جدوى من أي وقت مضى من منظور خلق القيمة. ومع ذلك، يحتاج القطاع إلى زيادة معدلات إعادة التأهيل بأكثر من خمسة أضعاف لتحقيق أهداف المناخ وتلبية طلب المستأجرين.
المباني كجزء من حل أزمة الطاقة تشكل تكاليف الكهرباء ما بين 4% و26% من القيمة الإيجارية للعقارات، ما يجعل تحسين الكفاءة الطاقية ضرورة للحفاظ على القدرة التنافسية. لكن المباني قادرة على أداء دور أكبر من مجرد استهلاك الطاقة، إذ يمكنها إنتاج الطاقة وتخزينها وإدارتها بفاعلية. ويمكن أن يسهم هذا التحول من الاستهلاك إلى الإدارة والإنتاج في تحقيق زيادة إضافية في الإيرادات تتراوح بين 25% و50%.
كما أظهرت تحليلات JLL في 30 سوقاً عالمية أن نحو 1.5 مليار قدم مربعة (ما يعادل 140 مليون متر مربع) من الأصول العقارية المعرضة للتقادم تقع في أسواق تمتلك إمكانات قوية لإضافة قيمة من خلال الاستدامة، ما يمثل فرصة استثمارية ضخمة.
كما تسهم عمليات إعادة التأهيل في توفير بيئات عمل أكثر صحة وسعادة للموظفين. فعلى سبيل المثال، يؤدي تحسين جودة الهواء الداخلي والحد من الضوضاء إلى تعزيز تجربة الموظفين ورفع مستويات الإنتاجية. وتشير أبحاث Economist Impact إلى أن تحسين مؤشرات الاستدامة بنسبة 1% قد يرتبط بزيادة تصل إلى 7% في ازدهار الموظفين ورفاههم.
مساحات جاهزة للبيانات وقادرة على التطور مع احتياجات الموظفين
كيف يتجنب القادة إنشاء مساحات قد تصبح غير ملائمة في المستقبل
لتحقيق النجاح في هذا الواقع الجديد، يتعين على الشركات تصميم مساحات لا تكتفي بتلبية احتياجات القوى العاملة الحالية، بل تتطور معها بمرور الوقت.
ويتطلب تحقيق ذلك القدرة على جمع وتحليل كميات هائلة من البيانات وتحويلها بسرعة إلى رؤى قابلة للتنفيذ.
كما أن توظيف تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي للاستفادة من الإمكانات الكامنة في كل نقطة بيانات داخل المباني سيصبح عاملاً حاسماً. ولا يقتصر الأمر على جمع البيانات فحسب، بل يشمل تطوير استراتيجيات واضحة للاستفادة منها في استشراف المستقبل. فعلى سبيل المثال، يمكن لتحليل أنماط استخدام الموظفين للمساحات أن يساعد المؤسسات على التنبؤ باحتياجاتها المستقبلية واتخاذ قرارات أكثر دقة بشأن تصميم بيئات العمل. وتشكل هذه الرؤى الفارق الحقيقي بين المؤسسات التي تكتفي بالتفاعل مع اتجاهات سوق العمل وتلك التي تسبقها بخطوات
ارسم طريقك نحو النجاح المستقبلي عبر العقارات المؤسسية
لكي تصبح من رواد مستقبل المساحات، تحتاج المؤسسات إلى إعادة التفكير في كيفية تصميم وتطوير البيئة المبنية لتلبية الاحتياجات المتغيرة.
وبالنسبة للمؤسسات المستعدة لتبني التغيير، تبرز فرصة كبيرة لاستخدام العقارات التجارية كأداة لاستقطاب المواهب والاحتفاظ بها، وإعادة توظيف رأس المال بشكل استراتيجي، وتحقيق كفاءة أعلى في التكاليف.
وفي JLL، نساعد المؤسسات على تجاوز هذه التحديات والاستفادة من الفرص المتاحة، من خلال خبراتنا المتخصصة ورؤيتنا العميقة للأسواق، لتطوير استراتيجيات عقارية متكاملة تعتمد على التكنولوجيا والمساحات المصممة بعناية، بما يتيح للأفراد تحقيق أفضل أداء اليوم وفي المستقبل.
إضاءات هي سلسلة فكرية من JLL تسلط الضوء على الطرق المبتكرة التي يمكن من خلالها للمباني والمساحات المحيطة بنا أن تسهم في معالجة أبرز التحديات التي تواجه الأعمال والمؤسسات.