كيف تسهم إعادة التأمين في دعم منظومة التأمين الصحي في المملكة العربية السعودية
المؤلفين
فيّ الخزيم
يشهد قطاع الرعاية الصحية في المملكة العربية السعودية تحولاً متسارعاً في إطار مستهدفات رؤية السعودية 2030، حيث تتجه المملكة من نموذج يعتمد بصورة رئيسية على التمويل الحكومي إلى نظام يقوم على التأمين الصحي الشامل. وفي صميم هذا التحول تبرز إعادة التأمين بوصفها إحدى الركائز الأساسية التي تمكّن أنظمة التأمين الصحي من التوسع بصورة مستدامة، وتعزز قدرتها على إدارة المخاطر بكفاءة.
ما هي إعادة التأمين؟
إعادة التأمين هي آلية تتيح لشركات التأمين نقل جزء من المخاطر التي تتحملها إلى شركات متخصصة في إدارة المخاطر. فعند إصدار شركة التأمين محفظة كبيرة من وثائق التأمين الصحي، فإنها قد تواجه احتمال تجاوز قيمة المطالبات لقدرتها المالية، لا سيما في حالات الطوارئ مثل الجوائح أو الارتفاع غير المتوقع في المطالبات ذات التكلفة العالية. وهنا تتولى شركات إعادة التأمين تحمل جزء من هذه المخاطر، بما يسهم في تعزيز الاستقرار المالي للقطاع.
ومن دون إعادة التأمين، قد يؤدي عدد محدود من المطالبات مرتفعة القيمة إلى التأثير في الملاءة المالية لشركات التأمين، وهو ما يزداد أهمية في سوق يشهد نمواً وتطوراً متسارعاً مثل السوق السعودية.
المشهد العالمي
يتمتع قطاع إعادة التأمين العالمي بوضع مالي قوي. فقد بلغ إجمالي رؤوس أموال شركات إعادة التأمين مستوى قياسياً وصل إلى 785 مليار دولار أمريكي بنهاية عام 2025، بزيادة تقارب 10% مقارنة بالعام السابق. كما حققت هذه الشركات متوسط عائد على حقوق المساهمين بلغ نحو 17%، أي ما يقارب ضعف التكلفة التقديرية لرأس المال.
ويمثل ذلك أهمية خاصة للمملكة، إذ إن قوة سوق إعادة التأمين العالمية تعني توافر طاقات استيعابية أكبر، وأسعار أكثر تنافسية، واستعداداً أكبر لدعم أسواق التأمين الصحي مع توسع نطاق التغطية.
سوق يشهد نمواً متسارعاً
تواصل سوق إعادة التأمين في المملكة تسجيل معدلات نمو قوية، حيث بلغت قيمة أقساط إعادة التأمين نحو 2.93 مليار دولار أمريكي خلال عام 2024، مقارنة بـ 2.45 مليار دولار أمريكي في العام السابق. وتشير التوقعات إلى إمكانية وصول حجم السوق إلى 5.33 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، مع نمو سنوي يقدر بنحو 5.2% حتى عام 2028.
ويُعد الإصلاح التنظيمي أحد أبرز محركات هذا النمو. فمنذ عام 2025، أصبح لزاماً على شركات التأمين عرض ما لا يقل عن 30% من أعمال إعادة التأمين الاتفاقية والاختيارية على شركات إعادة التأمين المحلية المرخصة قبل إسنادها إلى الأسواق الدولية، وذلك في حدود الطاقة الاستيعابية المحلية المتاحة. وقد طُبق هذا الإطار التنظيمي تدريجياً، بدءاً من 20% في عام 2023، ثم 25% في عام 2024، وصولاً إلى 30% في عام 2025.
وأثمر هذا التوجه عن نتائج ملموسة، إذ أعلنت الشركة السعودية لإعادة التأمين (Saudi Re) عن ارتفاع إيراداتها من السوق السعودية بنسبة 77% خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2024، مدفوعة بتطبيق هذا الإطار التنظيمي التدريجي.
نحو التغطية الصحية الشاملة
تمضي المملكة بخطى متسارعة نحو توسيع نطاق التغطية الصحية ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، حيث يُتوقع أن يشهد التأمين الصحي توسعاً كبيراً مع تطبيق نظام التأمين الصحي الشامل.
وفي السابق، كان التأمين الصحي الخاص يتركز بصورة رئيسية على العاملين الوافدين. ومع امتداد التغطية إلى المواطنين السعوديين، تواجه شركات التأمين أنماطاً مختلفة من المخاطر، نظراً لاختلاف معدلات استخدام الخدمات الصحية، إضافة إلى محدودية البيانات التاريخية الخاصة بالمطالبات في ظل نظام تأمين شامل. ويؤدي ذلك إلى زيادة درجة عدم اليقين عند تسعير المخاطر، ويعزز أهمية إعادة التأمين كوسيلة للحد منها.
كما يعزز إنشاء المركز الوطني للتأمين الصحي هذا التوجه، من خلال دعم آليات الشراء الاستراتيجي للخدمات الصحية وتطوير نماذج التمويل القائمة على إدارة المخاطر، بما يزيد الحاجة إلى وجود قطاعي تأمين وإعادة تأمين يتمتعان بالقدرة والكفاءة.
تمكين شركات التأمين الأصغر
لا يمكن تحقيق التغطية الصحية الشاملة بالاعتماد على عدد محدود من شركات التأمين الكبرى فقط، بل يتطلب الأمر مشاركة فعالة من الشركات الصغيرة والمتوسطة.
وتؤدي إعادة التأمين دوراً محورياً في هذا الجانب، إذ تتيح لهذه الشركات نقل جزء من مخاطرها، ما يمكنها من توسيع محافظها التأمينية، وتعزيز ملاءتها المالية، وتحرير جزء من رؤوس أموالها، بما يساعدها على تقديم منتجات جديدة والمساهمة في تحقيق مستهدفات التغطية الصحية الوطنية.
التضخم الطبي وتسعير المنتجات
لا تزال الزيادة المستمرة في تكاليف الرعاية الصحية تمثل أحد أبرز التحديات أمام القطاع. فقد بلغت أقساط التأمين الصحي نحو 11.2 مليار دولار أمريكي خلال عام 2024، بما يعادل حوالي 55.5% من إجمالي أقساط التأمين في المملكة. ومن المتوقع أن يواصل هذا الرقم ارتفاعه مع توسع التغطية وزيادة الإقبال على الخدمات الصحية.
ولا يقتصر دور شركات إعادة التأمين على نقل المخاطر، بل يمتد إلى تقديم الخبرات الاكتوارية، وتحليل المطالبات، ومتابعة اتجاهات الأمراض، وإجراء المقارنات المرجعية على المستوى الدولي، بما يساعد شركات التأمين على احتواء التضخم الطبي، وتصميم منتجات أكثر استدامة، وتحسين نماذج التسعير. كما تسهم أنظمة الفوترة الموحدة والإرشادات السريرية في الحد من تقلبات التكاليف على مستوى السوق.
البيانات والتحليلات والقدرات الاكتوارية
مع اتساع نطاق التغطية ليشمل شرائح جديدة من السكان، تزداد أهمية توافر بيانات دقيقة وعالية الجودة. فمحدودية البيانات التاريخية الخاصة بالمطالبات للمواطنين السعوديين ضمن نظام التأمين الشامل تجعل من النمذجة الاكتوارية، والتحليلات التنبؤية، واختبارات السيناريوهات أدوات أساسية لإدارة المخاطر.
وفي هذا المجال، تستفيد شركات إعادة التأمين من قواعد بيانات إقليمية وعالمية، وتقنيات اكتوارية متقدمة، إضافة إلى أدوات حديثة مثل التحليلات المدعومة بالذكاء الاصطناعي، بما يساعد شركات التأمين على فهم المخاطر بصورة أفضل، والتنبؤ بأنماط استخدام الخدمات الصحية، وتعزيز استدامة القطاع على المدى الطويل.
بناء قدرات وطنية في إعادة التأمين
تعمل المملكة على تعزيز قدراتها المحلية في مجال إعادة التأمين. وتواصل الشركة السعودية لإعادة التأمين (Saudi Re)، التي تنشط في أكثر من 40 سوقاً حول العالم، دورها بوصفها أكبر شركة إعادة تأمين محلية، فيما يسهم إطار الإسناد المحلي في دعم نمو هذا القطاع وتعزيز قدراته.
وفي الوقت ذاته، تشجع الجهات المعنية شركات إعادة التأمين العالمية على تأسيس حضور لها داخل المملكة. ويرى عدد من المختصين أن عوامل مثل المعاملة الضريبية والتنظيمية قد تؤثر في جاذبية السوق السعودية مقارنة ببعض المراكز الإقليمية القائمة، وأن معالجة هذه الجوانب من شأنها تعزيز مكانة المملكة كمركز إقليمي لإعادة التأمين.
الأثر على منظومة الرعاية الصحية
يسهم وجود سوق قوية لإعادة التأمين في دعم منظومة الرعاية الصحية بأكملها. فمن جهة، يساعد شركات التأمين على توسيع نطاق التغطية دون تحميل المستفيدين زيادات كبيرة في الأقساط، كما يحد من الأثر المالي للمطالبات الكبيرة أو غير المتوقعة، بما يعزز استقرار القطاع.
وبالنسبة لشركات التأمين، توفر إعادة التأمين حماية للملاءة المالية وتمكنها من مواصلة النمو، فيما تستفيد المستشفيات والمنشآت الصحية من سوق تأمين مستقرة توفر تدفقات مالية أكثر انتظاماً وموثوقية.
نظرة مستقبلية
يمثل التحول نحو التأمين الصحي الشامل أحد أبرز الإصلاحات التي يشهدها قطاع الرعاية الصحية في المنطقة، وتُعد إعادة التأمين عنصراً أساسياً لإنجاح هذا التحول، إذ تمنح شركات التأمين القدرة على التوسع، وتعزز دقة تسعير المخاطر، وتوفر المرونة اللازمة لمواجهة المتغيرات.
ومع استمرار تنفيذ برنامج تحول القطاع الصحي، ستظل الشراكة الوثيقة بين شركات التأمين، وشركات إعادة التأمين، والجهات التنظيمية، عاملاً رئيسياً لضمان توفير تغطية صحية شاملة تتسم بالكفاءة والاستدامة على المدى الطويل.
للمزيد من المعلومات، تواصل مع فريق الرعاية الصحية في JLL.