من الأزمة إلى محرّك للنمو: تحوّل الرعاية الصحية عن بُعد في الشرق الأوسط
شهد قطاع الرعاية الصحية عن بُعد في منطقة الشرق الأوسط تحولاً جذرياً، حيث انتقل من كونه إجراءً طارئاً فرضته جائحة كوفيد-19 إلى أحد الركائز الأساسية في تقديم خدمات الرعاية الصحية. فما بدأ كاستجابة للأزمة، تطوّر اليوم إلى إعادة تشكيل شاملة لنماذج الرعاية الصحية، مدفوعاً بالابتكار الرقمي الذي تقوده الحكومات، والاستثمارات في البنية التحتية، وتزايد تقبّل المرضى لهذه الخدمات.
لم تعد خدمات الرعاية الصحية عن بُعد مجرد خدمة إضافية، بل أصبحت عنصراً محورياً في منظومات الرعاية الصحية المتمحورة حول المريض في مختلف أنحاء المنطقة. ووفقاً لتقرير صادر عن شركة “غراند فيو ريسيرش”، بلغت قيمة هذا السوق 4.51 مليار دولار أمريكي في عام 2024، ومن المتوقع أن تصل إلى 18.05 مليار دولار أمريكي بحلول عام 2030، بمعدل نمو سنوي مركب قدره 26.8%.
كما تستحوذ منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا على 3.7% من السوق العالمي للرعاية الصحية عن بُعد، فيما أبدى أكثر من 60% من سكان دول مجلس التعاون الخليجي استعدادهم لاستخدام خدمات الطب الاتصالي (التطبيب عن بُعد) بعد جائحة كوفيد-19.
ظهور قادة إقليميين
تتصدّر كل من دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية مشهد الرعاية الصحية عن بُعد في المنطقة، حيث تستحوذان معاً على ما يقارب نصف السوق. وقد برزت هاتان الدولتان كروّاد في هذا القطاع، مع تبنّي كل منهما نهجاً مختلفاً في التحول الرقمي للقطاع الصحي، بما يتماشى مع رؤيتهما الاقتصادية وطموحاتهما المستقبلية.
الدعم الحكومي والسياسات كركيزة أساسية
تُعد المبادرات الحكومية المحرك الرئيسي لنمو سوق الرعاية الصحية عن بُعد في المنطقة. حيث تتصدر المملكة العربية السعودية المشهد من خلال برنامج رؤية 2030، الذي أطلق مستشفى “صحة الافتراضي” ويربط هذا المستشفى أكثر من 170 مستشفى عبر منظومة صحية وطنية متكاملة تعتمد على تقنيات الذكاء الاصطناعي في فرز المرضى والتشخيص. ونتيجة لذلك، يُعد هذا المشروع أكبر مستشفى افتراضي في العالم، ويضع معياراً عالمياً جديداً من حيث الحجم والتكامل.
وتسير دولة الإمارات العربية المتحدة في مسار مماثل من خلال الاستراتيجية الوطنية للصحة الرقمية. وتشير أبحاث حديثة لشركة فيليبس إلى أن 79% من سكان الإمارات لديهم نظرة إيجابية تجاه خدمات الرعاية الصحية عن بُعد والصحة الرقمية، فيما يثق 77% بقدرة الذكاء الاصطناعي على تحسين الرعاية الصحية. كما أبدى 92% من السكان رغبتهم في التحكم بشكل أكبر في صحتهم، بينما يفضل 83% مقدمي خدمات صحية يلتزمون بالممارسات البيئية المستدامة. ويساهم هذا المستوى المرتفع من القبول المجتمعي في تسريع نمو قطاع الصحة الرقمية في الدولة.
ومن أبرز الأمثلة على هذا التسارع في التطبيق برنامج “طبيب لكل مواطن” التابع لهيئة الصحة بدبي، والذي يوفر استشارات طبية عن بُعد على مدار الساعة (24/7) ووصفات طبية إلكترونية. وتُظهر هذه المبادرات كيف يمكن للدعم الحكومي أن يسرّع نمو السوق ويعزز تبني الحلول الرقمية في القطاع الصحي.
التكنولوجيا كمضاعف للنمو
تُسهم التطورات التكنولوجية أيضاً في تسريع توسّع السوق بشكل كبير. وتشير تحليلات صادرة عن إحدى شركات الاستشارات العالمية إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف ما يصل إلى 320 مليار دولار أمريكي إلى اقتصاد منطقة الشرق الأوسط بحلول عام 2030، أي ما يعادل 11% من الناتج المحلي الإجمالي. وتبدأ بالفعل تطبيقات الذكاء الاصطناعي في المجال السريري بالظهور، بدءاً من تحسين تقنيات التصوير الطبي للكشف عن الأورام، وصولاً إلى أنظمة الفرز الطبي المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
كما يكتسب كل من إنترنت الأشياء والمراقبة عن بُعد للمرضى زخماً متزايداً، لا سيما في إدارة مرض السكري. ويبرز هذا الاتجاه بشكل أوضح في المملكة العربية السعودية، حيث تشير بيانات شركة “غراند فيو ريسيرش” إلى أن قطاع السكري هيمن على صناعة الصحة الرقمية محققاً أكبر حصة من الإيرادات بنسبة 25.07% في عام 2024. كما يُتوقع أن يسجل هذا القطاع أعلى معدل نمو سنوي مركب خلال الفترة المتوقعة.
الديموغرافيا تعزز تبنّي الحلول الرقمية
تسهم التركيبة السكانية في المنطقة في تسريع اعتماد خدمات الرعاية الصحية عن بُعد، حيث يشكل الشباب المتمكن من التكنولوجيا، إلى جانب ارتفاع معدلات الأمراض المزمنة، بيئة داعمة لنمو هذا القطاع. ولا يقتصر هذا “العائد الديموغرافي” على سهولة استخدام التكنولوجيا فحسب، بل يمتد ليعكس جيلاً يتوقع أن تكون خدمات الرعاية الصحية متاحة وفورية، تماماً كما هو الحال مع باقي الخدمات الرقمية التي يستخدمها يومياً.
كما أصبحت نماذج الرعاية الصحية القائمة على المراقبة المستمرة والرعاية المنزلية مقبولة بشكل متزايد، بل وضرورية من الناحية الاقتصادية. ويعكس هذا التحول تغييراً في تفضيلات المرضى، حيث باتت سهولة الوصول والراحة عناصر لا تقل أهمية عن النتائج السريرية.
ورغم الزخم القوي الذي يشهده السوق، لا تزال هناك عدة تحديات قائمة.
التحديات التنظيمية
يُعد التعقيد التنظيمي أبرز التحديات التي يواجهها قطاع الرعاية الصحية عن بُعد، حيث تختلف متطلبات الترخيص ومعايير الامتثال من دولة إلى أخرى، مما يخلق صعوبات أمام مزوّدي الخدمات العاملين على مستوى المنطقة.
وفي هذا السياق، تُلزم دولة الإمارات العربية المتحدة بمتطلبات محددة تتعلق بإقامة البيانات داخل الدولة، إلى جانب اشتراط الحصول على اعتماد “هيئة الصحة بدبي” لخدمات الطب الاتصالي. كما لا يزال الترخيص عبر الحدود يشكل تحدياً كبيراً، نظراً لتباين الأطر التنظيمية بين الدول، مما يحد من سهولة تقديم خدمات الرعاية الصحية الرقمية بشكل إقليمي متكامل.
التحديات في الأمن السيبراني
يشكّل الأمن السيبراني تهديداً أكثر خطورة على قطاع الرعاية الصحية، إذ يُعد القطاع الصحي من أكثر القطاعات تعرضاً للهجمات السيبرانية في المنطقة. وتشير أبحاث حديثة صادرة عن شركة “بروف بوينت” إلى أن 72% من كبرى المستشفيات في دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية متأخرة في تطبيق أساسيات الأمن السيبراني. ويترتب على هذا الضعف في الجاهزية آثار مالية كبيرة.
ورغم أن التكاليف بدأت بالانخفاض بنسبة 17% مقارنة بالعام السابق، إلا أن كلفة الاختراقات لا تزال مرتفعة، حيث تشير أبحاث “فرونتير زيرو” إلى أن متوسط تكلفة الاختراق في منطقة الشرق الأوسط يبلغ 7.29 مليون دولار أمريكي، وهو ثاني أعلى معدل على مستوى العالم بعد الولايات المتحدة. ويؤكد ذلك الحاجة الملحّة للاستثمار في تعزيز الأمن السيبراني وبناء بنية تحتية صحية أكثر مرونة وقدرة على مواجهة الهجمات.
التحديات الثقافية والبنية التحتية
تضاف إلى ذلك تحديات أخرى تتعلق بالعوامل الثقافية والبنية التحتية، حيث لا يزال المرضى يفضلون الاستشارات المباشرة وجهًا لوجه، مما يجعل تكييف الخدمات مع الثقافة المحلية وبناء الثقة أمراً أساسياً لتسريع تبنّي خدمات الرعاية الصحية عن بُعد. أما خارج دول مجلس التعاون الخليجي، فإن محدودية البنية التحتية وارتفاع تكاليف التكنولوجيا يعيقان توسّع هذه الخدمات على نطاق أوسع في المنطقة.
الشركات الرائدة في السوق تتكيف مع الظروف المحلية
يعتمد النجاح في هذا القطاع على فهم الاحتياجات المحلية بعمق. وقد بدأت الشركات الرائدة في التميّز من خلال التكيّف الثقافي والابتكار. فعلى سبيل المثال، تدير إحدى منصات الرعاية الصحية عن بُعد الرائدة منصة مدعومة بالذكاء الاصطناعي باللغة العربية أولاً، وتخدم أكثر من 400 مليون متحدث باللغة العربية، ما يعكس أهمية الحلول الصحية المصممة بلغات وهوية المستخدمين.
وتُظهر هذه التجربة أن المنصات المتوافقة ثقافياً، والمصممة باللغة العربية، والقادرة على التكيّف التنظيمي السريع، هي الأكثر قدرة على قيادة النمو المستقبلي.
نظرة مستقبلية، من المتوقع أن يتعمّق دمج الذكاء الاصطناعي في القطاع الصحي خلال السنوات المقبلة، حيث يشير المسار نحو عام 2030 إلى تعزيز التحليلات التنبؤية وخطط العلاج المتقدمة. ويدعم هذا التوجه عدد من التطورات، من بينها:
- إطلاق دولة الإمارات العربية المتحدة عنقود الذكاء الاصطناعي بقدرة 1 جيجاواط في يوليو 2025.
- انتقال نماذج الرعاية المنزلية لتصبح بديلاً عن إدارة الأمراض المزمنة داخل المستشفيات.
- تعزيز التكامل عبر الحدود، بما يتيح إنشاء شبكات إقليمية من الأطباء المتخصصين وتوسيع سياحة العلاج عبر منصات الرعاية الصحية عن بُعد.
الإطار المستقبلي للقطاع
انتقل قطاع الرعاية الصحية عن بُعد في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا من استجابة طارئة إلى محرك نمو استراتيجي. ومع قيادة حكومات دول مجلس التعاون الخليجي لبرامج الإصلاح، وتبنّي المرضى للرعاية الرقمية، وتطور تقنيات الرعاية التنبؤية، يبدو مسار النمو مستداماً على المدى الطويل.
وسيتطلب النجاح المستقبلي تنسيقاً متكاملاً بين السياسات الحكومية، وتقديم خدمات الرعاية الصحية، والتطور التكنولوجي، بما يضمن بناء أنظمة صحية متقدمة ومراعية للثقافة المحلية في آن واحد.
ومع إعادة تشكيل الرعاية الصحية عبر تقنيات الطب الاتصالي في المنطقة، يمتد هذا التحول ليشمل أيضاً البيئات المادية التي تُقدَّم فيها الخدمات الصحية. وفي هذا السياق، نُدرك في شركة JLL كيف يؤثر هذا التطور على متطلبات العقارات الصحية. ويقدم خبراؤنا الدعم في تكييف المساحات الصحية لتتوافق مع نماذج الرعاية الهجينة التي تجمع بين الخدمات التقليدية والرقمية.
ولمعرفة المزيد حول كيفية مساعدةJLL لمؤسستكم في مواكبة هذا التحول في العقارات الصحية، يمكنكم زيارة صفحة الخدمات الاستشارية.