تصميم المؤسسات بما يواكب تنوع أساليب التفكير
المؤلفين
ديمه نجيب كوستا
على مدى عقود، صُمِّمت المؤسسات على أساس تحقيق الاتساق. فقد اعتمدت نماذج التشغيل على توحيد الإجراءات، وشجّعت بيئات العمل على اتباع أساليب عمل موحدة، فيما ركّزت الممارسات الإدارية على تعزيز القدرة على التنبؤ ورفع الكفاءة التشغيلية. وأسهمت هذه المبادئ في دعم مرحلة كانت فيها الميزة التنافسية تعتمد بصورة رئيسية على حجم العمليات، وقابلية تكرارها، وإحكام الرقابة التشغيلية.
إلا أن طبيعة العمل تشهد اليوم تحولاً متسارعاً. فمع تولّي تقنيات الذكاء الاصطناعي تنفيذ المزيد من المهام الروتينية والقائمة على الإجراءات، أصبحت القيمة المؤسسية تتجه بصورة متزايدة نحو الإبداع، وحسن التقدير، والتعاون، والتفكير المنظومي، والقدرة على حل المشكلات. وفي هذا السياق الجديد، قد لا تعتمد الميزة التنافسية بالدرجة نفسها على توحيد أساليب التفكير، بقدر ما تعتمد على قدرة المؤسسات على توظيف تنوع أنماط التفكير والاستفادة منها بكفاءة.
وقد أسهم هذا التحول في جعل التنوع المعرفي محوراً رئيسياً في النقاشات الاستراتيجية المتعلقة بمستقبل العمل
وعلى مستوى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية والعالم، أحرزت المؤسسات تقدماً ملحوظاً في توفير بيئات عمل أكثر سهولة في الوصول، وتعزيز ممارسات الشمول للأشخاص ذوي الإعاقة. وفي الوقت ذاته، يتزايد الإدراك بأن التنوع العصبي، وهو المفهوم الذي يشير إلى اختلاف الأفراد في طرق إدراكهم للمعلومات ومعالجتها وتفاعلهم مع العالم من حولهم، لا يقتصر على كونه قضية مرتبطة بالشمول، بل يُنظر إليه بصورة متزايدة باعتباره عاملاً مؤثراً في الابتكار، والتعاون، والأداء المؤسسي.
لم يكن هناك يوماً عقل “نمطي”
تشير الدراسات إلى أن ما بين 15 و20 في المائة من سكان العالم يُصنفون ضمن فئة التنوع العصبي. وفي المؤسسات الكبرى، قد يمثل ذلك آلاف الموظفين الذين تختلف أدمغتهم في معالجة المعلومات، أو أساليب التواصل، أو الاستجابة للبيئات المحيطة. وقد لا يُفصح كثير منهم عن ذلك، أو يحصلوا على تشخيص رسمي، إلا أنهم يسهمون بالفعل في مختلف القطاعات والوظائف والمستويات القيادية.
ولا تكمن أهمية هذه النسبة في حجم التنوع العصبي فحسب، بل فيما تكشفه بشأن الإدراك البشري بصورة أشمل، إذ لم يوجد عبر التاريخ ما يمكن وصفه بـ"العقل النمطي"
فلكل فرد طريقته الخاصة في معالجة المعلومات، وتنظيم الانتباه، والتواصل، وحل المشكلات، والاستجابة للبيئة المحيطة. ولا يُنشئ التنوع العصبي هذا الاختلاف في أنماط التفكير والسلوك، بل يساعد المؤسسات على إدراك حقيقة قائمة منذ القدم، وهي أن الإدراك البشري لم يكن يوماً موحداً أو نمطياً.
إلا أن كثيراً من المؤسسات لا تزال تعتمد نماذج عمل موحدة.
بيئة العمل بوصفها محركاً للأداء
أثبت علم النفس البيئي منذ وقت طويل أن البيئات المادية تؤثر في السلوك البشري. فالمساحات التي يشغلها الأفراد تنعكس على مستويات التركيز، والضغوط النفسية، والذاكرة، والإبداع، واتخاذ القرار، والتفاعل الاجتماعي. ومع ذلك، غالباً ما تعاملت استراتيجيات بيئة العمل مع المكاتب باعتبارها خلفية ثابتة للأداء، وليس عنصراً فاعلاً يسهم في تعزيزه.
ومع تطور طبيعة العمل، أصبحت هذه الفرضية بحاجة إلى إعادة تقييم.
فلم تعد استراتيجية بيئة العمل في المستقبل تقتصر على تحسين استغلال المساحات أو رفع معدلات الاستخدام، بل أصبحت تركز بصورة متزايدة على فهم الكيفية التي تدعم بها البيئات، والتجارب، والأنظمة المؤسسية، اختلاف أساليب التفكير والعمل.
ويمثل ذلك تطوراً مهماً في استراتيجيات شاغلي المساحات.
فعلى مدى العقدين الماضيين، مرت عملية تطوير بيئات العمل بعدة مراحل متعاقبة. ففي البداية، انصب التركيز على الكفاءة التشغيلية، من خلال قياس كثافة الإشغال، ومعدلات الاستخدام، وخفض التكاليف. ثم انتقل الاهتمام لاحقاً إلى تجربة الموظف، والمرونة، والرفاه، مع إدراك أهمية تعزيز المشاركة، والثقافة المؤسسية، والشعور بالانتماء.
أما المرحلة المقبلة، فقد تتمحور حول الأداء المعرفي.
ولا يعني ذلك الاستغناء عن التركيز على تجربة الموظف، بل البناء عليها. فعلى مدى سنوات، انصب النقاش حول مكان أداء العمل، ثم تطور لاحقاً ليركز على طبيعة الأنشطة التي يمارسها الموظفون، وكيف يمكن للبيئات المختلفة دعمها بصورة أفضل.
أما اليوم، فقد يصبح من الضروري أن تطرح المؤسسات سؤالاً إضافياً، وهو: كيف يفكر الأفراد بأفضل صورة ممكنة؟
تصميم بيئات العمل بما يلائم تنوع المسارات المعرفية
أسهم نموذج العمل القائم على الأنشطة (Activity Based Working) في إحداث تحول في تصميم بيئات العمل، من خلال الإقرار بأن اختلاف الأنشطة يتطلب توفير بيئات متنوعة. أما المرحلة المقبلة، فقد تتمثل في الإقرار بأن النشاط ذاته قد يحتاج إلى بيئات مختلفة، تبعاً للتفضيلات المعرفية للشخص الذي يؤديه.
فعلى سبيل المثال، قد يعمل موظفان على إعداد العرض التقديمي نفسه، إلا أن أفضل أداء لكل منهما قد يتحقق في ظروف مختلفة تماماً. فقد يبدع أحدهما في بيئة حيوية وتعاونية تتسم بالنقاش والتفاعل المستمر، بينما يحتاج الآخر إلى الهدوء، والروتين، والحد الأدنى من المشتتات لتحقيق أعلى درجات التركيز. وقد يستمد أحدهما أفكاره من الحوار، في حين يطور الآخر رؤاه من خلال التأمل والعمل الفردي.
ولا يُعد أي من النهجين أفضل من الآخر، فهما يعكسان ببساطة مسارين معرفيين مختلفين للوصول إلى النتيجة نفسها.
وتكتسب هذه الحقيقة أهمية خاصة، لأن تصميم بيئات العمل بما يراعي التنوع المعرفي لا يهدف إلى إنشاء مساحات متخصصة لفئة محدودة من الموظفين، وإنما إلى بناء مؤسسات توفر قدراً أكبر من المرونة، والقدرة على التكيف، وحرية الاختيار لجميع العاملين.
وقد أثبتت التجارب أن التصميم الشامل يسهم في تحسين النتائج على نطاق أوسع. فالعديد من الابتكارات التي طُورت في الأصل لتعزيز سهولة الوصول، مثل المنحدرات المخصصة للأرصفة، والترجمة النصية المغلقة، وتقنيات التعرف على الصوت، أصبحت اليوم مستخدمة على نطاق واسع، لأنها استجابت لاحتياجات إنسانية عامة، وليس لفئات محددة.
وقد ينطبق المبدأ ذاته على استراتيجيات بيئة العمل.
المرحلة المقبلة في تطوير استراتيجيات بيئة العمل
مع استمرار المؤسسات في إعادة تصور مستقبل العمل، قد لا يعود السؤال الأهم هو: كيف ستبدو بيئة العمل المستقبلية؟ بل: ما الذي ستمكّن الأفراد من تحقيقه؟
فإذا أصبحت الميزة التنافسية تعتمد بصورة متزايدة على الإبداع، وحسن التقدير، وتنوع التفكير البشري، فإن تصميم بيئات العمل بما يراعي التنوع المعرفي لن يكون مجرد مبادرة لتعزيز الشمول، بل سيغدو إحدى القدرات المؤسسية الاستراتيجية.
ولا تقتصر هذه القدرة على العقارات أو المساحات المكتبية وحدها، بل تمتد لتشمل القيادة، والتقنيات، وسياسات العمل، ونماذج التشغيل، والثقافة المؤسسية، والبيئة المادية، التي تتكامل جميعها في تشكيل تجربة العمل، وتمكين الأفراد من تحقيق أفضل مستويات الأداء. وعندما تنسجم هذه العناصر، تتمكن المؤسسات من توفير بيئة تتيح لشريحة أوسع من الأفراد الإسهام بأقصى إمكاناتهم
كما يعيد هذا المنظور الأشمل صياغة دور التنوع العصبي في النقاشات المتعلقة ببيئات العمل، إذ قد لا يكون الهدف النهائي للنقاش، وإنما يمثل محفزاً لإعادة النظر بصورة أكثر عمقاً في كيفية تصميم المؤسسات.
فهو يتحدى الافتراضات التقليدية المرتبطة بوجود “الموظف النمطي”، ويدعو المؤسسات إلى تبني فهم أكثر دقة لطبيعة الإدراك البشري وآليات الأداء.
وإذا كان العقد الماضي قد تميز بالتركيز على تجربة الموظف، فإن العقد المقبل قد يتسم بصورة متزايدة بالتركيز على الأداء المعرفي
ويمثل هذا التحول فرصة لا تقتصر على تعزيز الشمول، بل تمتد لتشكل فرصة استراتيجية تسهم في بناء مؤسسات أكثر قدرة على الابتكار والتميز.
تواصل معنا لتصميم بيئة عمل تستوعب جميع أنماط التفكير، وتمكّن الجميع من تحقيق أفضل أداء ممكن.